حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
143
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
أخوة الإيمان إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [ الحجرات : 10 ] ثم قال : ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ [ البقرة : 178 ] وهذا لا يليق إلا بالمؤمن . القيد الثاني : أن الإيمان ليس عبارة عن تصديق اللسان لقوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [ البقرة : 108 ] . القيد الثالث : ليس عبارة عن مطلق التصديق لأن من صدق بالجبت والطاغوت لا يسمى مؤمنا . القيد الرابع : لا يشترط التصديق بجميع صفات اللّه تعالى لقوله صلى اللّه عليه وسلم « أعتقها فإنها مؤمنة » بعد قوله عليه الصلاة والسلام لها أين اللّه ؟ قالت : في السماء . ويعلم مما ذكرنا أن من عرف اللّه بالدليل ، ولما تم العرفان مات ووجد من الوقت ما أمكنه التلفظ بكلمة الشهادة لكنه لم يتلفظ بها كان مؤمنا ، وكان الامتناع عن النطق جاريا مجرى المعاصي التي يؤتى بها مع الإيمان ، وبهذا حكم الغزالي رضي اللّه عنه قلت - وباللّه التوفيق - : التحقيق في المقام أن للإيمان وجودا في الأعيان ووجودا في الأذهان ووجودا في العبارة . ولا ريب أن الوجود العيني لكل شيء هو الأصل ، وباقي الوجودات فرع وتابع . فالوجود العيني للإيمان هو النور الحاصل للقلب بسبب ارتفاع الحجاب بينه وبين الحق جل ذكره اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ البقرة : 257 ] وهذا النور قابل للقوة والضعف والاشتداد والنقص كسائر الأنوار وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً [ الأنفال : 2 ] كلما ارتفع حجاب ازداد نورا فيتقوى الإيمان ويتكامل إلى أن ينبسط نوره فينشرح الصدر ويطلع على حقائق الأشياء وتتجلى له الغيوب وغيوب الغيوب فيعرف كل شيء في موضعه ، فيظهر له صدق الأنبياء عليهم السلام ولا سيما محمد صلى اللّه عليه وسلم خاتم النبيين في جميع ما أخبروا عنه إجمالا أو تفصيلا على حسب نوره ، وبمقدار انشراح صدره ، وينبعث من قلبه داعية العمل بكل مأمور والاجتناب عن كل محظور ، فينضاف إلى نور معرفته أنوار الأخلاق الفاضلة والملكات الحميدة نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ [ التحريم : 8 ] نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ [ النور : 35 ] وأما الوجود الذهني فبملاحظة المؤمن لهذا النور ومطالعته له ولمواقعه ، وأما الوجود اللفظي فخلاصته ما اصطلح عليه الشارع بشهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ولا يخفى أن مجرد التلفظ بقولنا « لا إله إلا اللّه محمدا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » من غير النور المذكور لا يفيد إلا كما يفيد للعطشان التلفظ بالماء الزلال دون التروي به ، إلا أن التعبير عما في الضمير لما لم يتيسر إلا بواسطة النطق المفصح عن كل خفي والمعرب عن كل مشتبه ، كان للتلفظ بكلمة الشهادة ولعدم التلفظ بها مدخل عظيم في الحكم بإيمان المرء وكفره ، فصح جعل ذلك وما ينخرط في سلكه من العلامات ، كعدم لبس الغيار وشد الزنار دليلا عليهما ، وتفويض أمر الباطن